ابن سبعين

15

رسائل ابن سبعين

بأحكام الشريعة المطهرة ، ولا يرد شيء منها ، ولا يأمر أحدا بترك وضوء ولا صلاة ، ولا زكاة ، ولا صيام ، ولا حجّ ، ولا جهاد ، ولا غير ذلك مما يهدم تركه الدين أبدا . ثم أن الغالب على أهل الأهواء والبدع إنما هو التقليد والانتماء إلى مذاهب أكابرهم على طريقة عوام الفقهاء من عين إحاطة بكنه ذلك المذهب ، وما هو مستمدّ منه من الكتاب أو السنة أو الحقيقة أو المجاز ، والقول بتكفير مثل هؤلاء يجرّ إلى فساد عظيم ؛ لعسر تشخيص الكفر وعدم الإيمان في قلب شخص تسمعه يقول : أشهد لا إله اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه . أولا : قد علمت من جميع ما قررناه : إن جميع الأئمة المتقدمين قد مالوا إلى ترك التكفير لأحد من المسلمين ، فبهداهم يا أخي اقتده ، ولا تغترّ بقول مجازف يوهمك التعصب للدين ، ويحط على عقائد كمّل العارفين ، ويخرجهم عن دائرة الإسلام جهلا وظلما وحسدا وعدوانا . فقد كان العارف باللّه أبو تراب النخشبي « 1 » يقول : إذا ألف العبد الإعراض عن اللّه صحبته الوقيعة في أولياء اللّه ، ولذلك كان أهل اللّه عزّ وجل لا يشتغلون قطّ بالردّ على أحد من أهل الإسلام مقالته في اللّه عزّ وجل ، أو في شيء استنبطه من أحكام الشريعة ، عكس ما عليه أهل الجدال ، وإنما شأن أهل اللّه أن يبحثوا عن مستند كل قول في العالم ، من أين أخذه صاحبه ؟ وماذا استند ذلك القول إليه من حضرات الأسماء الإلهية ؟ فإنه محال أن يوجد في العالم قول الآن إلا وهو مستند إلى حقيقة إلهية ، فليس عند أهل اللّه أن أحدا يغلط في الأحكام الشرعية ، إنما يغلط في وجه النسب ؛ لأن حكم اللّه معصوم حتى بذلك القول من اللّه عزّ وجل ، فأهل اللّه يأخذون تلك المسألة التي غلط فيها صاحبها ، فيجعلونها في موضعها ، كما قصّ اللّه علينا ذلك في شأن موسى والخضر عليها السلام ؛ فإن الخضر لما أخبر موسى بتأويل أفعاله تبيّن أن ما فعله الخضر كان في محله ، فلأهل اللّه الاطّلاع على منزع جميع النحل والملل والمذاهب اطّلاعا عامّا ، فما تظهر نحلة من منتحل ولا ملة من الملل في اللّه أو في أحكامه ما تناقض منها وما اختلف إلا ويعلمون من أين أخذت ، فينسبوها إلى واضعها ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم .

--> ( 1 ) نسبة إلى نخشب بلدة بما وراء النهر ، وكان شيخ عصره بالاتفاق ، جامعا بين العلم والدين والزهد والتصوف بلا شقاق ، صحب حاتما الأصم والخواص والطبقة وكتب الحديث الكثير ، وتفقّه على مذهب الشافعي ، وأخذ عنه أحمد بن حنبل وابن الجلاء وآخرون من الأجلاء .